نصر حامد أبو زيد
184
الاتجاه العقلي في التفسير
التوحيد والعدل . ولكي يبين القاضي وجه المصلحة في خطاب اللّه تعالى يفرّق بين وجهين من الكلام « أحدهما يتصل بنفس الخطاب وموضوعه ، والآخر بما يدل الخطاب عليه من الأحكام العقلية والسمعية » 158 : أولهما الكلام نفسه ، والثاني ما يدل عليه هذا الكلام من أحكام العقل والسمع . فأمّا الجانب الأول - جانب الخطاب نفسه - فهو ينقسم إلى ضربين : « أحدهما يستقل بنفسه في الانباء عن المراد ، فهذا لا يحتاج إلى غيره في كونه حجة ودلالة . والثاني : لا يستقل بنفسه فيما يقتضيه ، بل يحتاج إلى غيره ، ثم ينقسم ذلك إلى قسمين : أحدهما يعرف المراد به وبذلك الغير بمجموعهما ، والثاني يعرف المراد به بذلك الغير بانفراده ويكون هذا الخطاب لطفا وتأكيدا » 159 في هذا الوجه الأول ، وهو ما يختص بالخطاب نفسه ، أي بالعبارة من حيث هي عبارة لغوية ، ينقسم الخطاب إلى ثلاثة أنواع : نوع يدل بنفسه - أي بظاهره - دون حاجة لأي معرفة خارجية مستقلة عنه . أما النوع الثاني وهو ما يحتاج في معرفته إلى غيره فينقسم بدوره إلى قسمين : الأول أن يدل الخطاب بنفسه وبذلك الغير معا ، أي أن يدل الخطاب على ما يدل عليه بتركيبه الذاتي وبالقرينة الملازمة له - عقلية كانت أو لفظية - معا . أمّا النوع الثاني فهو النوع الذي لا يدل فيه الخطاب على شيء ، بل القرينة ، العقلية أساسا هي التي تدل ، وهي قرينة منفصلة عن الخطاب . وتكون وظيفة الخطاب والحالة هذه تأكيد هذه الدلالة العقلية السابقة ، ويعتبر القاضي عبد الجبار هذا النوع الأخير لطفا . ويربط القاضي عبد الجبار بين القرينة اللفظية والعقلية في هذه الأنواع من وجهي الخطاب ربطا محكما حيث يقول « ولا يخرج خطاب اللّه أجمع عن هذه الأقسام الثلاثة . والقرائن قد تكون متصلة سمعا ، وقد تكون منفصلة سمعا وعقلا ، وقد بينا أن الدليل العقلي وإن انفصل فهو كالمتصل في أن الخطاب يترتب عليه ، لأن قوله جل وعز : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ مع الدليل العقلي الدال على أنه لا يكلف من لا عقل له ، أكد في بابه من أن يقول : يا أيها العقلاء اعبدوا ربكم » 160 . كانت هذه الأنواع هي الأنواع التي ينقسم إليه الخطاب بنفسه ، أي ببنائه اللغوي . أمّا الوجه الآخر من وجهي الخطاب وهو ما يدل عليه الخطاب من الأحكام العقلية والسمعية فينقسم أيضا إلى أنواع ثلاثة ، وهذه الأنواع الثلاثة الأخرى تتطابق مع الأنواع الثلاثة السابقة ، غاية الأمر أن الأنواع الثلاثة الأولى